الفصل الخامس
 


سعير الانتفاضة يتصاعد في بابل والقادسية
الوضع العام
خلال عمليات القصف الجوي التي بدأتها قوات التحالف ضد مدن العراق من شماله إلى جنوبه، وكما ذكر في الفصول السابقة ، فقد بدأت موجات الغليان الشعبي تزداد لاسيما بعد عودة أعداد كبيرة من العسكريين وهم ينسحبون على نحو عشوائي من الكويت لعدم إيمانهم بعدالة المعركة وقد بلغ هذا الأمر ذروته خلال المعركة البرية. في إطار هذه الفترة واحتداماتها ، جرت اتصالات بين الشخصيات الوطنية * التي لها تأثير اجتماعي وسياسي لغرض التشاور والتنسيق للشروع بالعمل واتخاذ قرارات وإجراءات موحدة لكن هذه الاتصالات لم تكن بالمستوى الذي من شأنه تفعيل الآراء وبلورتها في آلية سياسية واضحة وربما يعود السبب إلى صعوبة الاتصالات بسبب الحرب التي أدت إلى شحة الوقود وتدمير بعض الطرق والجسور والضعف الواضح في المواصلات السلكية وغيرها.
كذلك الظروف الأمنية السيئة التي يعيشها الشعب والتأثير السلبي لتلك الظروف في ازدياد حالة الرعب والقلق وانتشار عدم الثقة الذي زرعها النظام بين مفاصل المجتمع، كما يمكن التأكيد بهذا الصدد على دور الإعلام الغربي الذي كان يوحي بأن قوات التحالف ستدخل بغداد وسيتم إسقاط النظام وقد تزامن هذا الطرح مع حقيقة مفادها إن أمريكا متهيئة لطرح البديل السياسي وكان هذا الأمر متسقاً مع ظهور أسماء عراقية وشخصيات معارضة قديمة على مسرح الأحداث مثل، سعد صالح جبر، حسن النقيب، ليث كبه، إبراهيم الداوود. هذه الأحداث كانت متزامنة مع حملة إعلامية واسعة ومركزة ضد صدام شخصياً تهديدات عسكرية متواصلة ..
هذه الأمور بمجملها، جعلت الغالبية من العراقيين شبه متأكدين من أن تغييراً حتمياً سيحدث للنظام وعليه لم تبرز حاجة ملحة إلى تكوين قيادة تكون نواياها معروفة سلفاً. بعد هذا يمكن القول إن ما تقدم من عوامل ومسببات أدى إلى ضعف التنسيق والتواصل والاستعداد للقيام بعمل منظم لإسقاط النظام.
لقد كانت عصيبة تلك الأيام التي سبقت اندلاع الانتفاضة ، فالأوضاع قلقة ومصير البلاد يبدو مجهولاً وغامضاً كما إن حالة الأمن الداخلي أصبحت مزرية والأمن شبه مفقود، السلطة مشلولة وأجهزتها تعيش حالات من الرعب والخوف والترقب .. في هذه الأثناء وقعت بعض الحوادث الصغيرة في مدن مختلفة في الجنوب وفي منطقة الفرات الأوسط قبيل الانفجار الحقيقي للانتفاضة وما أجج الموقف وزاد الوضع سوءاً هو الهزيمة النكراء للنظام عسكرياً وسياسياً والذي أدى إلى بروز حالات اضطراب وفوضى من بينها وصول أعداد كبيرة من العسكريين إلى المدن بحالة يرثى لها والمصير المجهول لاعداد أخرى منهم في الوقت الذي تم فيه وقف إطلاق النار دون المساس برأس النظام.

انتفاضة بابل - أيام ساخنة
اليوم الأول :
انطلقت الشرارة الأولى في مدينة الحلة، مركز المحافظة يوم 3 آذار 91.. وقد ظهرت في البداية على شكل تجمعات للشباب أخذت تتطور حتى أصبحت تظاهرة اجتاحت شوارع المدينة ما لبثت أن تحولت إلى هجوم مسلح على الدوائر الحكومية والمراكز الأمنية والشرطة ومقرات الحزب والجيش الشعبي والوحدات العسكرية المتواجدة ومنها مركز تدريب مشاة الحلة. وقبيل الضياء الأخير، تمت السيطرة على المدينة بأكملها من قبل الثوار والجماهير المنتفضة بعد مقاومات طفيفة من قبل بعض المقرات الحكومية باستثناء مركز الاستخبارات الكائن في حي الجمعية فقد أبدى عناصره مقاومة شديدة والسبب يعود إلى كونهم عسكرين مدربين تدريباً عالياً والكثير منهم، أن لم يكن جميعهم، ينحدرون من المناطق الغربية التي كانت قريبة من النظام وخصوصاً العمل في مؤسساته العسكرية والأمنية الخاصة. وضمن هذا التصور الذي يبدو واقعياً إلى حد ما، كان يجول في عقول البعض منهم بأنهم سيكونون عرضة للانتقام الشديد من قبل الثوار، وربما يؤدي إلى إعدامهم جميعاً لاسيما انهم من العناصر الأمنية، لذا كان قتالهم دفاعاً عن النفس اكثر مما هو دفاع عن مؤسسات النظام، وحدث اشتباك بالأسلحة الخفيفة والرمانات اليدوية تمكن الثوار بعدها من اقتحام المركز وتطهيره بعد أن تكبد خسائر بالأرواح واسر البعض من عناصره بينما لاذ البقية بالفرار!
في ذلك الوقت من تلك الليلة، لم تكن ثمة مقاومات أو أحداث تذكر في أنحاء المدينة حيث استقر الموقف لصالح الثوار! تجدر الإشارة إلى أن العمليات التي جرت اشترك فيها أساسا الشباب من مختلف الفئات العمرية ومن قطاعات، الطلاب ، العسكريين، الموظفين، والعمال، كما أسهمت بعض العوائل المعروفة في المدينة وقدمت تضحيات جسيمة بالاشتراك الفعلي في تلك العمليات كما سيرد ذكره لاحقاً.
اليوم الثاني :
استمر الوضع هادئاً طوال ساعات النهار ولم يستثمر النجاح الذي حققه المنتفضون في الليلة الماضية بالاندفاع باتجاه معسكر المحاويل* لاحتلاله والذي يبعد عن مدينة الحلة 25كم، فلو تمت السيطرة عليه لامكن القول بأن الكفة ربما ستكون راجحة لصالح الثوار! لكن هذا الأمر لم يحدث والسبب يكمن بعدم وجود قيادة سياسية وعسكرية منظمة قادرة على التخطيط والتنسيق والإدارة وهكذا لم يتم استثمار النجاح في الحلة والاندفاع شمالاً لإحراز تقدم تكون فائدته كبيرة وهذا ما كان واضحاً في سياق الأحداث.
ولأهمية مدينة الحلة وما حولها حيث تعد المفتاح الرئيس لمحافظات الفرات الأوسط، كان رد فعل النظام سريعاً لاستعادة السيطرة عليها. وبهذا الصدد، يمكننا التأكيد على مسألة مهمة وهي أن المحافظات التي حصلت فيها انتفاضات كبيرة مثل القادسية وذي قار والنجف تمتعت بقسط معين من الاستقرار النسبي تمكن الثوار فيه من تكوين وبلورة قيادات لهم وبدرجات متفاوتة من محافظة إلى أخرى بسبب كون تلك المحافظات بعيدة نسبياً عن بغداد وعن خطوط التماس معها وهذا الأمر لم يكن متوفراً في مدينة الحلة القريبة من بغداد ولم يحدث إلا بعد حين*.

هجوم و قصف مروع ..؟؟

اليوم الثالث:
في فجر الخامس من آذار، شرع النظام بإرسال تشكيلاته العسكرية لمحاصرة المدينة والبدء في عمليات القصف التمهيدي الكثيف والذي أخذ ينصب عشوائياً على كافة أنحاء المدينة محدثاً خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات والمباني، ومن الأحياء السكنية التي تعرضت لعمليات القصف (حي الثورة، حي الإمام، حي الطيارة، حي 17 تموز، حي الجامعيين، حي الأكراد، حي نادر، حي الفقراء، حي البكرلي، حي الجمعية.)
استمر القصف حوالي ثلاث ساعات، بعدها تقدم رتلان من التشكيلات المدرعة مسندة بالمدفعية والطائرات المروحية، الأول على طريق بغداد- الحلة والثاني كربلاء - الحلة، ودارت معركة ضارية بين الطرفين استعملت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة من قبل قوات النظام وكانت الاشتباكات مزيجاً من قتال المدن و الشوارع والغارات ومن سطوح الأبنية والبيوت والبساتين وكذلك انتهاج أسلوب الغارات ليلاً و استعمال الدراجات النارية. هذا ما يخص قتال الثوار، إما تشكيلات الجيش فكان يغلب على طبيعة أداءها القتالي الأسلوب التقليدي في الهجوم واتخاذ المواضع الدفاعية، ورغم التباين في قوة الطرفين من حيث العدة والعدد والذي أوجد حالة من اللاتوازن، لم تتمكن التشكيلات العسكرية المهاجمة إلا من احتلال جزء صغير في الطرف الغربي من المدينة أقامت فيه موضعاً دفاعياً على شارع (60 ) بسبب المقاومة الشديدة والصمود الذي أبداه الثوار!
في هذه الأثناء، انسحب الثوار إلى داخل المدينة و أطرافها نتيجة الضغط المتزايد عليهم .. بعد ذلك حاولت التشكيلات العسكرية اقتحام المدينة، ولم تفلح ..وأعادت المحاولة ثانية ولم تستطع الدخول أيضا، وظلت تكرر محاولاتها الفاشلة مرات عديدة، بعدها اضطرت إلى البقاء في موضعها الدفاعي واستمرت بالقصف المدفعي وبالدبابات على الأحياء السكنية الذي أحدث تدميراً كبيراً لمساكن المواطنين وخسائر بالأرواح مما اضطر بعض المواطنين إلى النزوح من المدينة إلى مناطق أخرى، في الوقت ذاته، استمرت الفعاليات البطولية لشباب الانتفاضة التي اتسمت بالجرأة و الاندفاع مما أفضى إلى اتساع رقعة المشاركة من قبل المرأة والتي كانت لها إسهامة فعلية وبمختلف الواجبات بما فيها القتالية وكان بعضهن يحملن السلاح ويشاركن في القتال حيث استشهدت إحدى النساء أثناء المعارك إضافة إلى قيامهن بالتشجيع والتحفيز ورفع المعنويات من خلال الزغاريد والأهازيج والقيام بتهيئة مستلزمات المعالجة الطبية وإعداد الطعام وجلبه إلى المقاتلين الثوار!

القتال مستمر

استمر الحال بين الطرفين المتقاتلين خمسة أيام ، حاولت فيها القوات النظامية اجتياح المدينة وإحكام السيطرة عليها في عدد من المرات وباستخدام أساليب قتالية متنوعة وبأحجام مختلفة ، لكنها لم تتمكن من إحراز تقدم ملحوظ في المعارك الدائرة، ويعود السبب إلى طبيعة القتال الدائر بما يعرف (بقتال المدن) حيث اختلطت المواقع من جانب لآخر، فأحيانا ترى محاولة من قوات النظام التقدم برتل دبابات أو فصيل ناقلات أو جنود مشاة لاحتلال موقع معين أو بناية قريبة أو ساحة فتفشل تلك المحاولة وتعاد ثانية وتفشل وعلى اثر ذلك منيت فيه قوات النظام بخسائر فادحة بأفرادها وآلياتها ومعداتها مما أضطرها إلى القيام بتبديل تشكيلاتها بقطعات جديدة ورفدها بتعزيزات إضافية لحسم الموقف في المدينة.

اجتياح المدينة

وبالنظر لمحدودية الأسلحة والأعتدة المتوفرة لدى الثوار، والنقص الكبير في القضايا الإدارية والفنية، وعدم تمكن بعض القيادات من السيطرة والإدارة بالشكل الصحيح وتدمير المدينة جراء القصف المدفعي، اضطر شباب الانتفاضة إلى الانسحاب من داخل المدينة نحو الأطراف الجنوبية والشرقية كان ذلك يوم التاسع من آذار حيث باشرت القطعات العسكرية باجتياح المدينة والتوغل فيها وبالتالي إحكام السيطرة على أغلب أحيائها. في هذا الوقت، تمركز الثوار في الأحياء السكنية الواقعة شرق وجنوب المدينة وهي، حي نادر، الحي الصناعي، حي الفقراء، والضواحي القريبة منها. وبالرغم من الخسائر، إلا أن الفعاليات التعرضية للثوار كانت مستمرة والاشتباكات تحدث هنا وهناك، إلا أن قوات النظام أخذت تزيد من حجم قطعاتها وتعزيزاتها واستخدامها الطائرات المروحية التي كانت تحلق فوق سماء المدينة محدثة تأثيراً واضحاً على ساحة القتال، لكن معنويات الثوار كانت عالية ونشاطهم المسلح مستمر وقد تجسد ذلك بقيامهم بفتح نقطة سيطرة على الشارع العام حلة - ديوانية في المدخل الجنوبي للمدينة لا يبعد عن نقطة سيطرة قوات النظام سوى مسافة (300-400 م ) ونتيجة للضغط العسكري المتواصل لتلك القوات والنقص الواضح في مواد التموين، أضطر الثوار يوم 11 آذار إلى الانسحاب والخروج من المدينة نهائياً والتوجه إلى القرى المجاورة والى مدينة القاسم الواقعة جنوب الحلة على بعد 35 كم حيث انضم قسم من شبابها إلى ثوار الانتفاضة.
يذكر، أن المشرف المباشر على العمليات العسكرية في قاطع محافظة بابل كان طه ياسين الجزراوي وقائد العمليات الميدانية طالع رحيم الدوري* ، أما القطعات المشتركة في الهجوم فكانت تضم تشكيلات من الحرس الجمهوري و الحرس الخاص وفرقة المشاة الرابعة وقطعات أخرى.

البداية من القاسم ..!!

صباح الثامن من آذار، بينما كان الحزبيون وأفراد الجيش الشعبي وجهاز الأمن يجوبون الشوارع ويتمركزون في أماكن محددة في مدينة القاسم ويغلب على ملامحهم القلق والتوتر الشديد، كان شباب الانتفاضة يتأهبون في مواقعهم لإطلاق الشرارة.
كان الجميع يعيش حالة ترقب وحذر، وفي حوالي الساعة العاشرة صباحاً سُمعت إطلاقات نار كانت إيذانا بإشعال الشرارة الأولى في المدينة، حيث تم الهجوم على مقر الفرقة الحزبية ومقر الأمن والشرطة ومعسكر الجيش الشعبي والقوة المتجولة في المدينة المكونة من أفراد التنظيم الحزبي. وبعد مقاومة طفيفة تمت السيطرة على المقرات المذكورة دون مقاومة مهمة عدا مركز المدينة الذي كانت فيه القوة المتجولة وهم مجموعة من أعضاء التنظيم الحزبي وأفراد من الجيش الشعبي يقدر عددهم بعشرين شخصاً مسلحين وبأمرة مالك عباس الجوذري أحد قياديي التنظيم. حدث هذا في السوق الذي يقع في الطريق العام (حلة-ديوانية)، وعند سماعهم إطلاق النار هربوا إلى أحد البيوت القريبة وتوزعوا في داخله وعلى السطح وأخذوا بالمشاغلة، ولما كان هذا البيت يتمتع بموقع محصن ومحمي لذا كان من الصعب مداهمته دون خسائر، وبعد مشاغلة بسيطة من قبل شباب الانتفاضة، تمكن اثنان منهم القيام بمناورة بطولية بالقفز من سطح إلى آخر حتى تمكن الشاب مؤيد م. م. ج. ح؟ الذي لا يتجاوز عمره ستة عشر عاماً من قتل آمر المجموعة وجرح آخر بينما لاذ البقية بالفرار!!
بعد ذلك استمرت الفعاليات التعرضية من قبل شباب المدينة بمداهمة المقرات الإدارية والحزبية والأمنية والسيطرة عليها! أثناء ذلك حدثت مناوشات ومقاومات بسيطة تمكن بعدها الثوار من القضاء على جيوب المقاومة والاستيلاء والسيطرة على المدينة برمتها وخلال أربع ساعات فقط!
وقد سقط بعض الشهداء خلال تلك العمليات التي شملت ساحات وشوارع المدينة وبعض المراكز الحكومية* ..

الانتفاضة تتصاعد

بعد ذلك بدأت مرحلة جديدة من العمل فيما يتعلق بإعادة التنظيم والسيطرة على مداخل ومخارج المدينة والعمل على توسيع رقعة الانتفاضة خصوصاً القرى والقصبات المجاورة وفعلاً تم إرسال قوة من الثوار إلى قضاء الهاشمية الذي لم يزل حينها تحت سيطرة قوى النظام وبالتعاون والتنسيق مع أبناء القضاء وبعد قتال قرب مقر شعبة الحزب استمر عدة ساعات، استخدمت فيه الأسلحة الخفيفة والهاونات والرشاشات تمت السيطرة على المقر والتوجه بعد ذلك إلى النواحي الأخرى في المدينة من مراكز إدارية إلى الساحات والشوارع وتم إحكام السيطرة عليها ثم التوجه إلى نواحي المدحتية والشوملي والطليعة وقصبة الإبراهيمية والحصين وقرى الطريق السياحي والسيطرة عليها دون قتال.
من المعروف، إن هذه النواحي والقصبات من الوحدات الإدارية التابعة لمحافظة بابل، فقضاء الهاشمية يبعد عن القاسم حوالي 12 كم وناحية المدحتية تبعد عن القاسم 20كم وتبعد الإبراهيمية ( الدبلة ) عن القاسم 15 كم وناحية الطليعة تبعد عن القاسم 16 كم.

العشائر دور مؤثر .. وصمود

يمكن التأكيد هنا على أن أبرز العشائر التي شاركت في عمليات الانتفاضة الباسلة، هي عشائر الجبور في القاسم والطليعة والهاشمية وكذلك عشائر زبيد في المدحتية والشوملي ثم بعض العوائل والعشائر في المدن كربيعة وعبيد ومشهدي، وبالنظر لاحتلال مدينة الحلة من قبل قوات النظام، ولانسحاب معظم الثوار منها إلى القاسم كونها مدينة كبيرة تحيط بها العشائر وتمتاز بموقع جغرافي مهم، أصبحت مقر قيادة تنظيم الثوار ومركز الانتفاضة في محافظة بابل.

قوات القاسم

على اثر التطورات السريعة التي حدثت ونتيجة للنجاحات التي حققها الثوار، كان لابد من تشكيل قيادة ترعى وتشرف وتخطط للنهج الذي تسير عليه عمليات الانتفاضة مستقبلاً وما يتطلبه ذلك من حشد للجهود ووضع الخطط المناسبة للتحرك لبلوغ الهدف، وعليه فقد تم تشكيل قيادة تتألف من سبعة أشخاص وهؤلاء من الوجوه الاجتماعية المعروفة باتزانها وموضوعيتها*.. كذلك تم تأليف لجان عسكرية واجتماعية وأمنية واجبها وضع الخطط الأمنية والدفاعية عن المدينة. وفعلاً تمت المباشرة بوضع خطة دفاع عن المدينة كذلك بوشر بتشكيل قوات شعبية تحت اسم ( قوات القاسم) أفرادها من سكان المدينة والقرى المحيطة بها واغلبهم من عشائر الجبور وطلب منهم التطوع في تلك القوات خصوصاً العسكريون منهم وكان الإقبال عليها جيداً.

ملامح الخطة الدفاعية

وضعت اللجان التي شكلت خطة دفاع عن المدينة في حال تعرضها لهجوم مقابل من قبل قوات النظام ويمكن تحديد سمات الخطة بإيجاز :
تقسم المدينة إلى أربعة قواطع، لكل قاطع آمر قوة بإمرته ما يزيد عن 150 مقاتلا من حملة البنادق ، وتم الاحتفاظ بالقوة الرئيسية في مركز المدينة كاحتياط جاهز وتمثل النطاق الخارجي بفصيل مدرعات ورشاشات ثقيلة عدد (2) ورشاشات متوسطة وعدد من الهاونات (60-82 ) خارج المدينة بمسافة 2 كم كنطاق أول على الطريق الرئيسي الذي يربط القاسم - حلة وطرق التقرب المحتملة الأخرى، كما تم إخراج مدفع عيار 57 ملم م/ط، كمين للطائرات السمتية خارج المدينة بمسافة تقدر(2.5) كم، كما تم ممارسة أسلوب الكمائن والدوريات والاستطلاع وحتى مدينة الحلة عندما كانت تحت سيطرة قوات النظام وكما اشتملت الخطة على وضع نقاط سيطرة ومراقبة ثابتة كإنذار مبكر على طريق القاسم - حلة لمسافة 30 كم.. إضافة إلى ما تقدم، فأن اللجنة العسكرية قامت بتوزيع القواطع وتنسيب آمرين لها وتعيين مواقع الأسلحة الساندة المتيسرة لاسيما الرشاشات المتوسطة والثقيلة وأسلحة م/ط وتعيين نقاط سيطرة.
ومن أجل الوقوف على طبيعة الإمكانات وحل المشاكل والمعوقات ولغرض التوجيه والتنسيق، فقد قام رئيس اللجنة العسكرية بزيارة النواحي والاقضية الوارد ذكرها وتنسيب ضابط لكل مدينة أو قصبة كمسؤول عسكري على أن يكون من أبناء المنطقة ذاتها كذلك نسب عقد مؤتمر يومي في مدينة القاسم "مركز القيادة" لمسؤولي المدن والقصبات لتدارس ومناقشة آخر التطورات والتوجيهات المناسبة لكل مدينة ثم وضعت خطة هجومية موحدة لاستعادة مدينة الحلة من أيدي قوات النظام.

المؤتمر .. موقف يومي وقرارات

في مدينة القاسم، مركز القيادة حيث يعقد المؤتمر اليومي لمسؤولي المدن والقصبات بإدارة رئيس اللجنة العسكرية لتدارس مجمل المهمات والواجبات المطلوب_تنفيذها وكذلك التنسيق بين القواطع لتنفيذ الأوامر الصادرة بشأنها فقد كان جدول المؤتمر يشتمل في سياقات عمله اليومية الأمور التالية :
1. استعراض الموقف الحالي.
2. ما تم تنفيذه_ يوم أمس.
3. متطلبات التعبئة.
4. الموقف الأمني لكل منطقة .
5. الأعمال التعرضية المطلوب القيام بها ( كمائن، دوريات، هجمات محدودة).
6. التصرف بالأشخاص المحجوزين من الحزبيين_ أو العسكريين.
7. مناقشة عمليات الخرق من قبل الأجهزة الأمنية الحكومية.
8. مناقشة الحالة المعنوية وكيفية ديمومتها والحفاظ عليها.
9. الاستعدادات الممكنة لتحرير مدينة الحلة0
ومن القرارات التي اتخذت خلال المؤتمر ونفذت بأسلوب جيد هو القيام بعمليات تعرضية ( دوريات - قتال على الطريق العام المؤدي إلى الحلة ودوريات استطلاع ليلية ونهارية ) وبذلك تمكنت من اختراق القطعات العسكرية والدخول الى مركز الحلة لإكمال واجبها ولغرض التحضير لوضع خطة الهجوم على القطعات العسكرية المتواجدة في المدينة وإعادة تحريرها ومن ثم استئناف التقدم باتجاه بغداد، كما تم نصب عدة كمائن على الطرق العامة بشكل يومي نهاراً وليلاً وخصوصاً على طريق القاسم - حلة .

مشكلات في القاسم .. ؟

من الأمور والمشكلات المهمة التي واجهتها الانتفاضة في مدينة القاسم حيث يوجد مقر القيادة ولجانها الإدارية الأخرى يمكن إيجازها بما يأتي:
1. الضعف الواضح في إيجاد آلية للتنسيق مع بقية المحافظات التي تمت السيطرة عليها من قبل الثوار باستثناء بعض المحاولات الإيجابية نسبياً مثل عملية التنسيق بين قيادتي بابل والقادسية و بين المثنى والقادسية وبين القادسية والنجف، إلا أنها لم تكن متكاملة ولم تف بالغرض.
2. صعوبة تيسير وسائل اتصال أو ارتباط مع بقية الثوار وتجمعاتهم في المحافظات.
3. النقص الحاد في الاعتدة لاسيما الخفيفة منها.
4. النقص في الأسلحة الساندة .
5. شحة المواد الغذائية والوقود وضعف الخدمات الطبية.
ولغرض التغلب على المعضلة الأولى، بادر رئيس اللجنة العسكرية يوم العاشر من آذار بزيارة الى محافظة القادسية للقاء قياديي الديوانية لغرض التشاور والتنسيق حول الخطط المستقبلية حيث جرت مناقشة العديد من الأمور بغية الوصول إلى قرار توحيد قيادتي بابل والقادسية وتم التوصل إلى تبني مشروع قرار يعتمد مبدئياً على القيام بهجوم واسع لاستعادة مدينة الحلة ومن ثم استئناف التقدم إلى بغداد وفي محاولة للتغلب على مشكلة النقص في الاعتدة والأسلحة فقد تم البحث في مخازن العتاد في الديوانية وعفك ولم يتم الحصول إلا على كمية قليلة من الاعتدة الخفيفة.

الانتفاضة في القادسية

البدايات الراكزة :
بدأت الشرارة الأولى للانتفاضة في الديوانية بسيطرة الشباب الثائر على بعض الدبابات والأسلحة الموجودة في أحد المعسكرات الواقعة في أطراف المدينة، طريق ديوانية - الحمزة الشرقي، وطريق ديوانية - نجف وقد تقدموا بها نحو المدينة تحت غطاء حماية المسؤولين والسيطرة على الوضع المتدهور أمنياً للحيلولة دون اتساع الانتفاضة على مستوى المحافظة ولكن هؤلاء الشباب، بدلاً من تنفيذ هذا الغرض المعلن، غيروا وجهتهم وأخذوا مواقعهم قرب بناية المحافظة والمقر الرئيس للحزب وبدأوا بشن الهجوم من خلال إطلاقات مدافعهم، وبعد مقاومة حصلت من قبل عناصر المقرات والدوائر الأمنية حدثت معركة شرسة كانت نتيجتها قتل وجرح عدد كبير من العناصر الحكومية وهروب البقية كالمحافظ "كاظم بطين الحديثي" وبعض المسؤولين الحزبيين الذين تركوا أعمالهم وهربوا خوفاً من بطش الثوار بهم وخلال عدة ساعات كانت الديوانية برمتها تحت سيطرة المنتفضين من أبنائها ومما يذكر أن النواحي والاقضية التابعة للمحافظة وهي الحمزة الشرقي، السدير، عفك، الدغارة، سومر، السنية، آل بدير، كانت هي الأخرى تحت سيطرة الثوار.
كانت الانتفاضة في القادسية قد تميزت ببلورة قيادة ميدانية موحدة عسكرية- عشائرية ضمت في صفوفها وجوه اجتماعية مرموقة وعدد من كبار الضباط الذين اسهموا بشكل مباشر في إدارتها وقيادتها، نذكر منهم العميد توفيق الياسري والعميد الركن عبد الأمير عبيس والعقيد عبد الحمزة،، والمقدم الركن محمد علي غني، كذلك الشيخ حسين علي الشعلان شيخ عشيرة الخزاعل الذي كان له دور متميز في تفجير الانتفاضة وتفعيلها في الديوانية والشيخ كاظم عبد علي آل دانة شيخ عشيرة الجبور في الحمزة الشرقي والشيخ جليل آل جبارة شيخ عشيرة بني عارض والشيخ حسين آل رباط من شيوخ عشيرة بني عارض.
كان الطابع العام للانتفاضة يتميز بمشاركة العشائر وابنائها مع الشباب المتواجد في المدن بالاندفاع الجيد والاستعداد للتضحية وهذا ما كان واضحاً وجلياً في أغلب مناطق المحافظة * .

التنسيق يتواصل

كانت عمليات التنسيق و التشاور متواصلة بين ثوار بابل والقادسية وقد تأكد هذا الأمر من خلال الزيارات المتبادلة بين قيادتيهما والذي أدى بعد ذلك إلى توحيدهما واتفاقهما على الشروع بهجوم موحد وواسع لاستعادة مدينة الحلة، كذلك تزويد ثوار بابل ببعض الأسلحة والأعتدة المتيسرة في المخازن العسكرية. وفي إطار التشاور بين قيادتي الثوار في المحافظتين، عقد اجتماع مصغر في مدينة القاسم تم الاتفاق فيه على اتخاذ قرار يثبت فيه التوقيت المناسب لبدء الهجوم المقابل من قبل الثوار لاستعادة مدينة الحلة والاتفاق على مواصلة التقدم باتجاه بغداد بعد العمل على إكمال نواقص آليات الرتل المدرع الذي كان مسؤولاً عنه المقدم الركن محمد علي غني * .

استعادة الحلة

كما ذكرنا آنفاً، فقد تم اتخاذ قرار الشروع بهجوم موسع لاستعادة الحلة من أيدي القوات النظامية يشترك فيه الثوار من أبناء بابل والقادسية وقد حدد القرار آلية التحرك والأسلوب الذي يتم فيه التنفيذ وأشار القرار إلى أن القاسم ستكون نقطة التحرك في يوم محدد وساعة محددة وقد تم وضع الخطط اللازمة لجمع المعلومات وإرسال عدد من دوريات الاستطلاع إلى المدينة والمناطق المحيطة بها لمعرفة قوة وحجم القطعات العسكرية وأماكن تواجدها ومواقع المدفعية وشقق السمتيات ونهج الدوريات والكمائن وتم الحصول على نتائج إيجابية ومعلومات دقيقة تم بموجبها تهيئة القوة اللازمة ووضعت خطة الهجوم التي تضمنت الآتي:
الهجوم الموسع على القطعات والتشكيلات العسكرية في الحلة بقصد تحريرها وبصفحتين:
الصفحة الأولى: تبدأ عند الضياء الأول ليوم 15 آذار 91، وتنفذها قوة تتكون من مقاتلي بابل والديوانية والسنية * لاحتلال المناطق التي تقع في جنوب المدينة والسيطرة على المقرات الرئيسية فيها كما تتضمن فرز قوة خاصة مهمتها التدمير أو السيطرة على الطائرات السمتية0
الصفحة الثانية : تبدأ حين الانتهاء من تنفيذ مهمة الصفحة الأولى ويقوم بتنفيذها أبناء عشائر القادسية بعد الضياء الأول لذلك اليوم ويكون واجبهم استثمار النجاح وإحكام السيطرة على المدينة.

موقف شجاع

قبل الشروع بالانطلاق من منطقة التجمع في القاسم، قام رئيس اللجنة العسكرية بجولة تفقدية استطلع فيها أوضاع المقاتلين الثوار واحتياجاتهم من أبناء العشائر لتشجيعهم وتدقيق مستلزمات المعركة وفحص الاحتياجات والنواقص ولاسيما الأسلحة والأعتدة، واثناء التفتيش لاحظ رئيس اللجنة العسكرية بعض الشباب من الثوار من غير سلاح وكانوا متأهبين للذهاب مع القوة المهاجمة، وعند السؤال عن عدم امتلاكهم أسلحة،أجابوا : بأن أسلحتهم موجودة أمامهم في الحلة .. !وعند مطالبتهم التوضيح، قالوا : أن الأسلحة التي تم توزيعها لم تعد كافية للجميع ، وعليه، فأنهم سيشاركون في المعركة، وأكدوا، انهم سيحصلون على الأسلحة كغنائم عندما يبدأ القتال هناك، وكان هؤلاء الشباب يتحدثون بثقة وشجاعة عالية.. لكن القيادة لم تقبل مشاركتهم ضمن القوة المهاجمة في بادئ الأمر، ولكنهم أصروا على ذلك مؤكدين تحملهم المسؤولية .. ونزولاً عند رغبتهم تمت الموافقة وكان لهم ما أرادوا..

سير المعركة

بالساعة العاشرة ليلة 14/15 آذار، وصلت إلى مقر القيادة في القاسم (منطقة الاجتماع) قوة مؤلفة من حوالي مائة مقاتل من أبناء مدينة الديوانية والسنية بقيادة العميد توفيق الياسري إضافة إلى مقاتلي محافظة بابل الذين كانوا متهيئين للقيام بالواجب. تحقق عقد الاجتماع بحضور عدد من الضباط لمناقشة الخطة وإجراء أية تغييرات إن وجدت، وهم العقيد الركن عامر مخيف الجبوري والمقدم الركن جعفر وتوت، الذي أصر على قيادة الهجوم كونه من أهالي مدينة الحلة والملازم الأول ميثم وتوت والعميد توفيق الياسري وآخرون وقد استمر الاجتماع من الساعة الواحدة صباحاً حتى الرابعة والنصف فجر يوم 15 آذار بعدها تم الانتهاء من عملية تدقيق المقاتلين والعمل على إكمال نواقصهم وإجراء الايجازات النهائية.
بالساعة الخامسة والنصف صباحاً، تحركت القوة المكلفة بالهجوم وهي محمولة بالعجلات من مدينة القاسم باتجاه الحلة برتل يضم 20 عجلة مختلفة وباص ركاب كبير، ريم،OM ، عجلة حمل، بيك آب، سيارات صالون صغيرة، جميعها تعود للمواطنين والبعض من الثوار المشاركين.
في الساعة السادسة صباحاً، اصطدمت القوة المهاجمة للثوار بكمين عسكري حكومي على مسافة تقدر بـــ 10 كم عن مركز المدينة تمكنت القوة من معالجة الكمين والقضاء على عناصره،بعد ذلك استمرت بالتقدم بالرغم من أن هذا الحادث سبب بعض التأخير في توقيتات الهجوم المتفق عليه.
في الساعة السابعة صباحاً، فتح مقر القوة المهاجمة للثوار في طرف المدينة وبدأت بذلك عملية تنفيذ الصفحة الأولى حيث جرت معركة شديدة في معظم مواقع ومناطق المدينة التي اتخذت منها القطعات العسكرية مواقع لها وكانت نتيجة هذه المعركة أن تمكنت قوة الثوار من اجتياح المواقع الأمامية بعد أن تكبدت التشكيلات العسكرية خسائر بالأرواح والمعدات واسر العديد من الضباط والجنود.
في هذه الأثناء، ساد الارتباك والذعر قوات النظام مما خلق لديهم حالات من الفوضى والتشتت واستمر القتال بين الطرفين فترة وجيزة استطاع الثوار رغم قلة عددهم وعدتهم من التغلغل إلى مركز المدينة والسيطرة على شوارعها وبعض المواقع المهمة فيها.
في الساعة العاشرة صباحاً، قامت قوات النظام بهجوم مقابل استخدمت فيه القطعات المدرعة والطائرات المروحية مسندة بقصف مدفعي مركز حيث تمكنت الطائرات من تدمير مقر قوة الثوار الذي استقر في بداية تنفيذ الصفحة الأولى على الطريق العام قرب المدينة بمسافة خمسة كيلو مترات في بناية عامة وأسفر هذا الهجوم عن إصابة المقدم الركن جعفر وتوت والملازم الأول ميثم وتوت إصابات خطيرة أدت إلى استشهادهما في الحال، كما جرح العميد توفيق الياسري وفي حينها كانت القيادة موزعة على آمري المجموعات إذ لم تتوفر وسائل اتصالات.
في ذلك الوقت، وصلت الى مدينة القاسم طلائع قوة الصفحة الثانية حيث التقى العقيد الركن عامر مخيف الجبوري مع الشيخ حسين علي الشعلان والعميد الركن عبد الأمير عبيــس، والشيخ جليل آل جبارة، والشيخ كاظم الدانة، والشيخ حسين آل رباط، وبعد قليل، تم استئناف التقدم بالعجلات وباتجاه مدينة الحلة على شكل رتل طويل يعد بأكثر من مائة عجلة كبيرة محملة بالأشخاص والأسلحة الخفيفة والمتوسطة وبعض الهاونات والرشاشات الثقيلة.
أصبح هجوم الثوار مكشوفاً لدى قوات النظام التي بدورها أخذت تواصل استعداداتها للتصدي له وسار الرتل متوجهاً نحو المدينة وعلى بعد 5كم منها، أعطي أمر الترجل من العجلات والانفتاح بتشكيل المعركة وحسب تسلسل العشائر بأفرادها وكان كل شيخ عشيرة يعد آمراً على مجموعته وكان كل ذلك قد تم من خلال الإيجاز الذي اعد قبل التنفيذ. ورغم صعوبة الظروف وفقدان وسائل الاتصال مع آمري المجموعات فقد استخدمت الإشارات كبديل وكان الوقت يمر سريعاً ووجوه الثوار تطفح بمعاني الفرح والبسالة والمعنويات العالية.
وفي الساعة العاشرة والنصف، باشر الثوار بالتقدم وعند الوصول إلى أطراف المدينة فتحت النار من قبل قوات النظام حيث تحركت الدبابات والمدرعات المتواجدة على أبواب المدينة وأخذت الطائرات السمتية بالتحليق وبدأ القصف المدفعي الثقيل والمركز وهكذا بدأت المعركة بين الطرفين. وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهها الثوار في تلك اللحظات من ملاحقة الطائرات المروحية لهم حيث كانت ترصدهم وتحاول مشاغلتهم، إلا أن القوة المهاجمة وبجزء منها حاولت الدخول إلى المدينة والتغلغل فيها، حينها قامت قوات النظام بتعزيز قدراتها القتالية بإضافة تشكيلات مدرعة جديدة وتكثيف الإسناد المدفعي بعيد المدى الذي كانت قذائفه تنطلق من معسكر المحاويل. استمر القتال إلى الساعة الثانية بعد الظهر، حيث أخذ الوضع يميل إلى صالح القوات الحكومية مما اضطر قوة الصفحة الأولى من الانسحاب والخروج من المدينة، في الوقت ذاته شوهد رتل من الدبابات يتحرك على الطريق العام باتجاه الجنوب لقطع الطريق ومنع الثوار من كسر الطوق الذي بدأت تفرضه القوات العسكرية عليهم، لكنهم تمكنوا من التجمع في أطراف حي نادر الواقع جنوب المدينة حيث تم تبليغهم من قبل عناصر الارتباط، بضرورة سحب قواتهم بشكل منظم والاتجاه إلى مدينة القاسم، وفعلاً تم تنفيذ الأمر بشكل سليم ولم تتمكن القوات الحكومية من إعاقة هذا الانسحاب والتأثير عليه.
في الساعة الرابعة عصراً تكامل وصول الثوار إلى القاسم ومن ثم تفرقت القوة وعادت إلى مواقعها الأصلية!

في ذاكرة الانتفاضة

في خضم أحداث انتفاضة بابل والقادسية، برزت مواقف بطولية كبيرة أسهمت بشكل فاعل في إنضاج الحدث البطولي الزاخر بالتأثير والحماسة الوطنية وكان وراء هذه المواقف أسماء شخصيات وعشائر ستبقى حية في الذاكرة الشعبية والوطنية على مر الأجيال.
وهنا لابد من ذكر العشائر العربية التي شاركت في الحدث وما رفدته بالوسائل المتاحة من أسلحة وأموال ورجال، وتشير الوقائع إلى عشائر الجبوروالجنابيين والأشراف والعذاريين وخفاجة في محافظة بابل، وكذلك العشائر التابعة لمحافظة القادسية والتي كان لها دور كبير ومتميز في أحداث الانتفاضة وتطورها ومنها عشيرة الخزاعل وعلى رأسها الشيخ حسين علي الشعلان وعشيرة الجبور في الحمزة الشرقي وفي مقدمتها الشيخ كاظم عبد علي الدانة الذي استشهد مع ولده في إحدى صفحات تلك الملحمة الرائعة وكذلك عشيرة بني عارض وعلى رأسها الشيخ جليل ال جبارة والشيخ حسين آل رباط وكذلك عشيرة الاكرع.
وفي سياق الحديث عن البطولات النادرة التي سجلها بعض الأبطال من ثوار الانتفاضة في محافظة بابل، لابد من ذكر المقدم الركن جعفر وتوت، الذي يتحدر من عائلة عريقة ومعروفة في مدينة الحلة وكان ضابطاً كفوءاً تدرج في مناصب عسكرية عديدة وكان ذا موقفٍ من النظام قبل الانتفاضة. وبعد الانفجار جاء إلى ناحية القاسم لينضم إلى قوة الثوار ويشارك فعلياً في وضع خطة الهجوم وان يكون في طليعة منفذيها وقاد عملية الهجوم وفتح مقره قريباً من أطراف المدينة وحدثت المعركة، وبينما هو يوجه مقاتليه، غدره صاروخ طائرة سمتية، خر صريعاً على أثره وهو يكتب شهادة كبرى من اجل الحق والحرية والدفاع عنها.
كذلك الملازم الأول ميثم هادي وتوت الذي ينتسب إلى العائلة ذاتها، وكان معوقاً إذ بترت ساقه ولكنه كان مملوءاً بالحيوية والعزم وشارك بالانتفاضة واسهم في المعارك التي دارت في الحلة قبل إعادة احتلالها من قبل قوات النظام. وعند احتلال المدينة، نزح مع بقية إخوانه وأقربائه ورفاقه إلى القاسم وكان يعمل بجدية عالية في تهيئة المقاتلين وتدريبهم أو عمل الاستحضارات المطلوبة ورفع المعنويات. طلب أن يكون آمر مجموعة في قوة الصفحة الأولى ونظراً لوضعه الصحي، فقد رفض طلبه من قبل القيادة، إلا انه أصر وعزم على المشاركة رغم المحاولات التي أرادت أن تثنيه عن ذلك، وتم تعيينه آمراً لإحدى المجموعات الأمامية والتي قادها في معركة شديدة. نال خلالها وعلى أبواب المدينة وسام الشهادة وهو يسطر بدمه ودماء رفاقه من الثوار ملاحم الشهادة من اجل الحرية وقيم الوطنية الحقة.

جرائم … لا تنسى!

كان لقوات الحرس الجمهوري وقوات الحرس الخاص دور رئيسي في الجرائم الوحشية التي ارتكبت ضد أبناء الشعب تحت ذرائع شتى وبمختلف المبررات، وبهذا الصدد نسوق هذه الحادثة دليلاً على الممارسة اللاإنسانية التي تتصف بها تلك القوات ضد الأهالي العزل:
ففي أعقاب الانتفاضة بأيام قليلة وفي أحد مناطق عشائر الجبور في محافظة القادسية وصباح ذات يوم، تم تطويق المنطقة من قبل قوات الحرس الجمهوري حيث اخذ فوج من تلك القوات بالدخول من جهة بينما استطاعت وحدة مدرعة الدخول من الجهة الثانية وقد أخذت تلك القوة تشكيل المعركة وواصلت التقدم باتجاه القرى والمساكن الآمنة وفتحت النار بغزارة دون تمييز بين رجل وامرأة وطفل إذ كانوا يطلقون النار على السكان والبيوت وهم على بعد 400 متر وبنحو عشوائي. كانت هناك مزرعة قريبة، ونتيجة للرمي الكثيف والمرعب هرب شاب من الشباب الذين يعملون في تلك المزرعة وكانت رصاصة قد أصابته في ساقه بالحين، لكنه فضل الهرب في تلك اللحظة. استمرت القوة بإطلاق الرصاص نحوه وبمطاردته ونتيجة طبيعية لأصابته المؤثرة، فقد سقط على الأرض وعندها تمكنوا منه ووجدوه جريحاً، فانقضوا عليه كالذئاب الشرسة، وانهالوا عليه بالضرب بأعقاب البنادق والأحذية ثم حملوه ووضعوه في الحوض الخلفي للعجلة وهو ينزف دماً وتركوه على هذا الحال تحت أشعة الشمس دون أي محاولة للإسعاف وبعد ساعات قليلة كان هذا الشاب قد فارق الحياة!
ويستمر مسلسل المجازر والتصفيات، فقد شكلت في معسكر المحاويل محاكم صورية من ضباط أمن ومسؤولين حزبيين وعناصر من جهاز الأمن الخاص والاستخبارات يعملون بإشراف طــه الجزراوي وقد تعاون معهم أفراد من بعض القرى والعشائر المتواجدة هناك لتأمين المعلومات والمشاركة في الملاحقة وإلقاء القبض على الكثير من العوائل والأفراد الذين يوجه إليهم الاتهام بالاشتراك في أعمال الانتفاضة في محافظة بابل والمحافظات المجاورة الذين تسللوا عبر القرى والأرياف والبساتين للاختفاء من اجل العثور على أماكن آمنة نسبياً.
وقد باشرت تلك المحاكم واللجان الأمنية مهماتها بتنفيذ حملة إعدامات واسعة ضد هؤلاء المواطنين، والذين كان البعض منهم يقضي نحبه أثناء التحقيق والبعض الآخر في الإعدام الفوري!
وقد تم تحديد أحد المبازل الاروائية الجافة ليكون ساحة إعدام للمئات من الشباب وعشرات العوائل من نساء وأطفال وشيوخ حيث يتم جمعهم في نسق واحد ويطلق عليهم الرصاص من الخلف وهم بمواجهة المبزل ومن ثم دحرجتهم إلى القاع الذي تحول إلى مقبرة جماعية لا تزال آثارها باقية حتى الآن متمثلة ببقايا الأحذية والملابس والعظام المهشمة.
وقد روى شاهد عيان تفاصيل حادثة مروعة جرت أمام عينيه إذ قال: أن عائلة كانت ضمن العوائل التي أجري معها التحقيق قد صدر حكم الإعدام ضدها من ضمنها امرأة (حلاوية) الأصل تحمل طفلها الذي لا يتجاوز السنة اقتيدت إلى ساحة الإعدام وهناك أطلق أحدهم النار عليها فسقطت وتدحرج طفلها الصغير على الأرض وهو يصرخ فما كان من مطلق النار ذاته إلا أن يوجه فوهة بندقيته نحو الطفل ويطلق النار عليه فيقتله في الحال إلى جانب أمه!!
وهنا أكد شاهد العيان الذي روى الحادثة وفي معرض السؤال عن حقيقة هذا القاتل والمنفذ لتلك الجريمة المروعة، هل هو من أفراد الحرس الجمهوري أو الحرس الخاص أو من عناصر الأمن والاستخبارات؟
فكان الجواب: كلا، انه أحد منتسبي الحزب الحاكم وهو من أهالي محافظة بابل!!

الانتفاضة في المثنى

انطلقت شرارتها في يوم 3 آذار من منطقة الشرجي تحديداً، وكان الهجوم الأول للمنتفضين على مديرية الأمن إذ حدث قتال استمر يومين أسفر عن السيطرة الكاملة للثوار بعدما هرب مدير الأمن وعناصره الأخرى وفي تلك المعركة استشهد ثلاثة شبان من القوة المهاجم ثم عمت الانتفاضة المحافظة برمتها.
بعد سقوط مراكز الشرطة وفتح السجون وإخراج المعتقلين والموقوفين وكان بضمنهم بعض الكويتيين المحتجزين كانت المدارس في تلك الفترة معبأة بالسلاح والذخيرة العائدة للحرس الخاص والجيش الشعبي، حيث قامت الجماهير المنتفضة بالاستيلاء عليها وتوزيعها على كل من يرغب بحملها.
ثم توجهت الجماهير المهاجمة إلى منطقة الغربي والبساتين الشرقية ومنطقة الصوب الصغير (القشلة) وعلى أثر المقاومات التي أبداها بعض عناصر النظام وكذلك الاشتباكات التي حدثت في مناطق متناثرة من المحافظة، سقط 25 شهيداً من الثوار!
وبعد أن استقر الموقف لصالح الثوار، شكلت قيادة في المحافظة للإدارة والإشراف والتوجيه على سير العمليات، تكونت من المحامي حسن اللوزي، والسيد نعمة كحيل والشيخ نوري عزارة آل معجون والشيخ خزعل خشان آل جازع والسيد سعد والشيخ حاجم عزارة آل معجون، أما في الصوب الصغير فقد ترأس المحامي خزعل كاطع مجموعة من الشباب.
بعد ذلك امتدت الانتفاضة إلى الأقضية والنواحي التابعة للمحافظة ومنها قضاء الخضر، حيث قامت مجموعة من الشباب بمهاجمة المقرات الحزبية والحكومية وتشكلت قيادة للإدارة والتوجيه في القضاء تألفت من السيد نعمة عبد الرضا الياسري والحاج شريف فريح الجابري وسلمان وناس التويجي وهو من تجار القضاء .
وفي قضاء "الرميثة"، سيطر مجموعة من الثوار على المقرات والدوائر الحكومية وكان في مقدمتهم السيد صالح محمود الشرع والسيد حميد أبو طبيخ والسيد إبراهيم محمود الشرع والسيد فليح السيد حسن الياسري والشيخ مطشر آل محمود ونجله مجبل مطشر آل محمود والشيخ ياسين الرميثاوي، كما ضمت المجموعة الرائد حميد الرميثاوي وكان مشرفاً على الأمور العسكرية، استشهد بعد ذلك دفاعاً عن مدينة النجف مع مجموعة من شباب المدينة في عمليات التصدي للقوات الحكومية.
وفي ناحية "الوركاء"، اندلعت الانتفاضة هناك وسيطر الثوار على المنطقة وشكلت مجموعة قيادة مؤلفة من الشيخ جفات جياد شعلان أبو الجون والسيد كريم آل عيسى الياسري والسيد إحسان السيد محسن واشترك فيها شباب عشيرة الظوالم والبو جياش.
أما في ناحية "السوير"، فقد تجمع الشباب من عشائر آل غانم والبركات وقاموا بمهاجمة مركز الشرطة ومقر المنظمة الحزبية حيث هرب منتسبوها وسيطر الثوار بعد ذلك على الناحية، وكان المشرف على إدارة عمليات الثوار وتوجيههم السيد محسن آل عبد الرضا الياسري وقد استشهد في هذه الأحداث من شباب الناحية الشاب شاكر الغانمي .
وكان أهم ما يميز الانتفاضة في السماوة، هو تمركز قوات الثوار والجماهير المنتفضة في منطقة الصوب الكبير، ونظراً لتهديم الجسور فقد تعذر عليهم العبور إلى منطقة الصوب الصغير بالشكل الذي يحقق وجوداً كبيراً وواضحاً في تلك المنطقة مع العلم أن تلك المنطقة تتواجد فيها عشائر بني حجيم وعشيرة الظوالم، وعشيرة آل جياش، وعشائر أخرى.
على أثر السيطرة الكاملة للثوار على المدينة، فقد قاموا بحجز حوالي اكثر من 400 شخص من العناصر الموالية للنظام وكان هؤلاء حزبيين وأفراداً تابعين للجيش الشعبي أو عناصر من الأمن والمخابرات في بنايات السجون الحكومية.
ومن أبرز الذين تميزوا بفعالياتهم وقيادتهم الجماهير المنتفضة في السماوة، هم آل فاضل عبوسي، والشهيد جاسم عطشة، وحسين آل عبس، وعقيل آل داغر، وعلي الحميدي، وجابرالسماوي، وعدنان آل جفات، وعماد آل عبس، ورعد وقاسم آل طالب.
استمرت سيطرة الثوار على المحافظة أكثر من 25 يوماً تمكنوا خلالها من تهديم كل السجون في المحافظة والاستيلاء على المقرات الحكومية والحزبية وعلى مخازن الحبوب وتوزيع ما فيها على المواطنين.
بعد هذه الفترة التي عمت فيها الانتفاضة أرجاء المحافظة، قامت قوات النظام متمثلة بالحرس الجمهوري والحرس الخاص تدعمهما الطائرات المروحية بالهجوم المقابل لاستعادة المدينة من أيدي الثوار، وفعلاً تمت محاصرة المحافظة وأخذت المدفعية تطلق قذائفها بشكل مركز وكثيف مما أضطر أهالي المدينة إلى الهروب إلى خارجها واللجوء إلى معسكرات اللاجئين في صفوان، جنوب البصرة، ومعسكر "السلمان" في منطقة السلمان، ومعسكر العبدلي الموجود جنوب الكويت.. وقد استشهد أكثر من ثلاثين شخصاً جراء هذا الهجوم الذي قامت به قوات الحرس الجمهوري عندما فتحت لها ثغرات للدخول إلى المدينة والسيطرة عليها.
أما الشهداء الذين سقطوا في انتفاضة المثنى دفاعاً عنها فهم، خالد جنباله، قاسم جبر البركي، عبد الرضا عدل ناصر الغانمي، محمد آل سويلم الغانمي، باسم بجاي العطوي، ومطشر نعيثل التوبي وآخرون لم يتسن لنا التأكد من أسمائهم.

أصداء الانتفاضة في بغداد

مع بدايات الأيام الأولى لانفجار الانتفاضة في الجنوب وخاصة البصرة وامتدادها بسرعة شمالاً إلى الناصرية والعمارة والكوت والنجف وكربلاء والديوانية والحلة والسماوة، كان يسود بغداد العاصمة توتر شديد، فقد تهيأ البعض للقيام بانتفاضة ضد السلطات الحكومية، إلا أن الإجراءات الأمنية الشديدة التي اتبعتها الحكومة حالت دون تنفيذ ذلك، حيث قامت بنشر قوات كبيرة من الأمن الخاص والجيش الشعبي والاستخبارات في أغلب مناطق بغداد ولا سيما المناطق والأحياء الشعبية بالإضافة إلى إجراء التفتيش للعديد من البيوت وإلقاء القبض على المشتبه بهم.
في هذه الأثناء، كانت معاناة الناس تزداد يوماً بعد يوم. وحياتهم تتجه نحو الصعوبة، فالأسعار ترتفع بشكل جنوني، والطوابير أصبحت شيئاً مألوفاً للحصول على الغاز، أو البنزين، كذلك، الهواتف معطلة، والتيار الكهربائي مقطوع.
في هذا الوقت، كانت حملات التحري والتفتيش التي ينفذها جهاز الأمن الخاص وقوات الحرس الخاص والأدلاء الحزبيين مستمرة وهي أشبه ما تكون بغارات مفاجئة حيث تطوق الأحياء السكنية ويبدأ التفتيش عن الأسلحة، وعن هويات الأشخاص، وسبب تواجدهم في تلك المناطق.
كان الناس في هذه الفترة يتابعون أخبار الانتفاضة في الجنوب والفرات الأوسط ويترقبون ما سوف يحصل، ربما كانوا يتوقعون حدوث حركة مسلحة في بغداد تكون استجابةً وامتداداً للانتفاضة لكن على ما يبدو ويتضح حينها من أخبار متسارعة، بأن الانتفاضة كانت عفوية وتفتقر إلى القيادة والتنظيم والعامل الاستراتيجي في الكثير من جوانبها.
كان البعض في بغداد وخاصة الشباب متهيئاً في أية لحظة للاندفاع إلى الشارع بعدما طال الانتظار، وفي هذا الوقت بالذات، كانت الطائرات المروحية تتزود بالعتاد من مطارات بغداد لتتجه نحو الجنوب لضرب الثوار الذين كان الناس في بغداد يطلقون عليهم اسم "المعارضة"!
في هذه الأثناء، عمد النظام إلى إشاعة نشر صواريخ موجهة إلى بعض أحياء العاصمة وخصوصاً الشعبية منها مثل (الثورة والكاظمية والشعلة) وأوعز إلى جهازه الحزبي وقوات الأمن والاستخبارات إلى القيام بأساليب استفزازية وقمعية للحيلولة دون انتشار النشاطات والفعاليات المناوئة له.
لقد وقعت في مدينة الثورة والشعلة أحداثً كانت استجابة سريعة للانتفاضة في الجنوب حيث قامت مجاميع كبيرة من الشباب في أحد الشوارع الرئيسية في مدينة الثورة بتظاهرة كانت تسير باتجاه مركز العاصمة لتعبر عن نقمتها على النظام وسياساته القمعية وكذلك لتؤكد تواصلها مع الأهداف والمرامي التي جسدها شباب الانتفاضة في محافظات الجنوب والفرات الأوسط وكأنها تستجيب للنداء الذي أطلقه الشهيد محمد باقر الصدر (الثورة تنطلق من الثورة!) كانت حالة الطوارئ في بغداد بأقصى درجاتها، وكانت أجهزت النظام الأمنية تراقب عن كثب حركة الناس في الشوارع والساحات العامة وقد تصدت تلك الأجهزة لتلك التظاهرة وأخذت بإطلاق النار مباشرة على المشتركين فيها حيث قتل وجرح وأعتقل الكثير.
كما حدثت في الفترة نفسها تظاهرة مشابهة في مدينة الشعلة على أثر تشييع جنازة، فقد بدأ إطلاق النار أثناء مراسم التشييع، فتوقع الكثير من الناس أن الانتفاضة انطلقت في الشعلة، فتعالت الهتافات وازداد حجم المتظاهرين وبدأوا المسير إلا أن قوات النظام تصدت للجموع الغفيرة وفرقت التظاهرة بعدما قتل البعض وجرح آخرون واعتقال البقية وحدث هذا الأمر بإشراف مباشر من قبل وطبان الأخ غير الشقيق لصدام، الذي أمر بترك الجثث في الشارع وإلقاء البعض الآخر في براميل القمامة كما تم احتجاز عوائل المشتركين واستباحة بيوتهم وممتلاكاتهم.
وعليه، فقد بقي الحال في بغداد في مستويات الترقب والانتظار والتوقع، فقد ظن البعض من أن الجماعات التي أشعلت الانتفاضة في المحافظات الجنوبية والوسطى لهم قواعدهم وخطوطهم في بغداد وانهم سوف يتحركون بشكل سريع ومنظم في حين أن بقية المحافظات التي لم تنتفض كانت تنتظر حدوث شيء ما في بغداد، بعد أن تصل شرارة الانتفاضة إليها!
وفي ظل هذه الأجواء، كانت ردود الأفعال متباينة، فقد قال البعض أن الأمور ازدادت غموضاً خصوصاً وأن قوات النظام المدعومة بالطائرات المروحية، كانت قد أعاقت تقدم الثوار في الجنوب وعملت على تفتيتهم، وعليه كنا نتوقع أن يكون هناك تحرك عسكري عبر كركوك وباتجاه ديالى.. لكن هذا الأمر لم يحدث والسبب على ما يبدو عدم وجود التنسيق الكامل بين قوى المعارضة وفصائلها وبين المنتفضين والثوار على مستوى البلاد، فلو كان هذا الأمر موجوداً لاتخذت الأحداث اتجاهاً آخر، قد يكون مؤثراً بشكل واضح في تصاعد الانتفاضة وبلوغ أهدافها..!